مشارك ثورة - القاهرة, مصر

6/12/2011 10:52:09 PM - المشاهدات (2445) - التعليقات (2)

صليت جمعة الغضب 28 يناير في مسجد الفتح بميدان رمسيس، في طريقي إلى ميدان رمسيس مررت بمسجد رابعة العدوية بمدينة نصر ولفت نظري قلة قوات الأمن المركزي والتراخي البادي عليهم. في الطريق صعد بعض شباب مدينة نصر إلى الميني باص وبدا لي من هيئتهم أنهم ذاهبون لميدان رمسيس لنفس الغرض. نزلت في قلب ميدان رمسيس وسرت نحو مسجد الفتح وبدا لي أن القوات لم تكن كافية ورأيت الضباط جالسين إلى طاولة بجوار المسجد يستظلون بشمسية بحر ويحتسون الشاي في اطمئنان يُحسدون عليه. وصلت المسجد قبل الصلاة بنحو نصف ساعة وأقلقني قلة عدد المصلين وشعرت أن المظاهرة ستكون هزيلة، ولكن سرعان ما توافد الشباب حتى ضاق بهم المسجد فصلوا خارجه أيضا. خطب الإمام خطبة جيدة وحذر من الفتن ودعى بالأمن والأمان ونهى الشباب عن العنف والتخريب وذكرهم أن رجال الشرطة أخوانهم ومواطنين أمثالهم كما حذر الشرطة من سفك دماء المواطنين. ما أن سلم الإمام منهيا الصلاة حتى دوى زئير هائل وتدافع الشباب خارجين من المسجد هاتفين الله أكبر.. الله أكبر، صليت العصر جمع تقديم ثم لحقت بالشباب.

نزل إلى الشارع ما لا يقل عن عشرة آلاف متظاهر وهتفوا بحماسة بالغة، كانوا شبابا وشيوخا نساء وفتيات وإن كانت الغالبية من الشباب، وكانت قوات الأمن المركزي تصطف قاطعة الطريق نحو ميدان التحرير وقوات أخرى تصطف مانعة الناس من التوجه نحو ميدان رمسيس، ربما كان تقديرهم أن الناس سيهتفون حتى الملل ثم ينصرفون فرادى. كانت الجماهير غفيرة والهتافات مدوية مزلزلة: تغيير.. حرية.. عدالة إجتماعية، الشعب يريد إسقاط النظام، ثم صارت هتافات هستيرية: حرية.. حرية.. حرية.. حرية.. حرية، ثم ضغطوا على صفوف الجنود المدججين بالعصي والدروع هاتفين: عايزين نعدي.. عايزين نعدي. دوت طلقات القنابل فتراجع معظم الشباب وولوا هاربين، لم أكن أدرى قوة قنابل الغاز الحديثة فآخر عهدي بالمظاهرات كان في أواخر أيام السادات فنهرت الشباب عن الفرار ولكن عندما تصاعد الغاز شعرت بإختناق شديد وكاد صدري ينفجر وكاد قلبي يتوقف، ألقت الشرطة أعداد هائلة من القنابل أنتجت سحابة كثيفة من الدخان حجبت الرؤية في المكان. سقط الناس مغشيا عليهم وترنح الآخرين وهربوا إلى الممرات الجانبية (شوارع أو ممرات تحت البناية الأولى في الشارع وهذه الممرات متصلة بشارع الجلاء وبميدان رمسيس) كما هرب آخرون إلى داخل المسجد وخلت ساحة التظاهر تقريبا من هول الغازات الخانقة.

وحيث أني معاق لم يسعني الجري والفرار من الغاز، ولحسن الحظ كسر أحد الشباب لوحا زجاجيا في بوابة إحدى البنايات ودخلت مع مجموعة من المختنقين إلى هذا المدخل محتمين من الغازات الفظيعة. كان بهذا المبنى بنك أو هيئة حكومية ولم يغضب الحراس من كسر الزجاج بل حاولوا إسعافنا وتزويدنا بالماء. صاح أحد المختنقين المحتضرين واصفا حسني مبارك بالكفر فنهيته عن ذلك رغم أني كنت أرى ذنب هذا الكائن أكبر من الكفر بكثير. عندما تلاشى الغاز عاد إلى مكان المظاهرة نحو مائتين أغلبهم من فتيان وفتيات الفيس بوك أما باقي الجماهير فإما انصرفوا أو تكدسوا على الأرصفة خلف السور الحديدي أو على مدخل وسلالم المسجد. وربما كان هذا هو الفارق بين المظاهرات القديمة وهذه المظاهرة، فقد خبرت في المظاهرات القديمة أن إطلاق الغازات هو إيذان بانصراف الناس وانتهاء المظاهرة، أما هذه المظاهرة فكان الإصرار فيها عجيبا والكر بعد الفرار مدهشا وغريبا.

هذا التعامل العنيف بالغازات لم يثر اليأس في الشباب وأيضا لم يثنهم عن طابعهم السلمي. عادوا للهتاف بالحرية والتغيير والعدالة، وحاولوا إقناع الضباط بإفساح الطريق نحو ميدان التحرير. كان الحديث وديا بين الطرفين وكلما حاول بعض المتهورين الضغط على صفوف الجنود أو الهتاف بهتافات عدائية كان الشباب يسرعون بالهتاف: سلمية.. سلمية، ويشكلون حاجزا بين المتهورين وقوات الأمن. كانت سيارة مصفحة (كالتي عُرضت على الفضائيات وهي تدهس متظاهرين) تقف خلف صفوف الجنود ومن حين آخر تطلق سرينة متواصلة متوعدة بتصرف عنيف إذا لم يتراجع الجمهور. كان بعض الناس يتفرجون من فوق أسطح البنايات العالية وقد أبدى الضباط قلقا كبيرا من ذلك فصاروا يضربونهم بقنابل الغاز، وعندما تصاعد الهتاف من مدخل المسجد لم يتورعوا عن ضربه بقنابل الغاز مما أدى لإختناق عدد كبير من الناس داخل المسجد أغلبهم من النساء. لاحظت أن الهتافات العالية تثير الرعب في الضباط، فعندما كان الشباب يتكلمون معهم كانوا يقولون لهم: (طب هدوا الناس اللي في المسجد). تشجع بعض المتفرجين على الأرصفة ونزلوا إلى عرض الشارع.

لم يكن للمتظاهرين هدف سوى الوصول إلى ميدان التحرير ولم يكن للشرطة هدف سوى منعهم من ذلك، ومن الغباء الشديد تدريب ضباط الأمن المركزي تدريبا عسكريا قتاليا على طريقة: أيها الجنود موتوا في أماكنكم فلا خطوة واحدة إلى الوراء. فلو أن هؤلاء الضباط تدربوا كقوات مدنية لحفظ الأمن، ولو تُركت لهم مساحة صغيرة من التصرف الذكي لأفسحوا الطريق أمام المتظاهرين ولوقفوا جانبا بشموخ وكبرياء ولتلقوا أيضا تحية وتقدير ومحبة المتظاهرين، ثم عندما يصل المتظاهرون إلى التحرير فلكل حادث حديث وهناك عشرات الطرق للتفاوض معهم ولصرفهم من الميدان مع الاحتفاظ بقوة وهيبة الشرطة من الاندحار والتلاشى. ولو تصرفت الشرطة على هذا النحو الذكي المتحضر لما تغير تاريخ مصر والشرق الأوسط وربما تاريخ العالم، فالحمد لله الذي وفقهم إلى هذا الغباء المطبق.

وقف إذاً جنود الأمن المركزي محاصرين المساحة أمام مسجد الفتح ليمنعوا المتظاهرين من التوجه إلى ميدان التحرير أو حتى السير عكس اتجاه ميدان التحرير ويحصرونهم أمام المسجد ليهتفوا كيف شاءوا لكن أي محاولة لتخطي الحاجز الأمني يواجه بالضرب بالعصي الغليظة والغازات الخانقة، ورأيت شباب الفيس بوك يتكلمون مع جنود الأمن المركزي، وقد أدهشني ذلك فقد خدعونا وأوهمونا أن هؤلاء الجنود ماكينات لا تعي ولا تفهم، لكن من عبقرية هؤلاء الشباب أنهم رأوا أن بالإمكان مخاطبة جنود الأمن المركزي، كان الشباب يقولون لهم: لماذا تضربونا.. نحن أخوانكم.. نحن نفعل هذا من أجلكم.. ، ورد أحد الجنود ببراءة: "والله أنا مش بضرب". وبالفعل كانت هجمات الجنود على المتظاهرين أشبه بالهجمات التخويفية إلا إذا أصيب زميل لهم بطوبة فكانوا يهجمون على من فعل ذلك ويكسرون عظامه. حاول الضباط خداع الناس لصرفهم عن التوجه لميدان التحرير فكانوا يقولون لهم اذهبوا عن طريق شارع الجمهورية، فيرد البعض أن القوات في الجهة الأخرى تمنعهم من ذلك فعرض الضابط أن يذهب معهم ليمررهم ولكن صاح البعض إنهم يريدون تفريقنا.

دوى آذان العصر من مسجد الفتح واصطف المتظاهرون للصلاة في الشارع، تأخر إمام المسجد في إقامة الصلاة فأمَّنا أحد المتظاهرين ثم عندما أقيمت الصلاة في المسجد تنادى الناس وخرجوا من الصلاة ليصلوا خلف الإمام الراتب. أخذ أحد المصلين يدعو بعد الصلاة على الظالمين البغاة العتاة ويؤمن الناس خلفه. تجددت الهتافات العالية عقب الصلاة وتردد المتظاهرين بين القوات المحاصرة لهم على الجانبين يهتفون ويلوحون بأعلام مصر وقد عجزوا أمام قوة الشرطة الطاغية فأخذوا يهتفون: واحد.. اثنين.. الجيش المصري فين. ولا أخفي أني تشائمت من هذا الهتاف وخشيت من تدخل الجيش وشعرت أنه سيتدخل لصالح النظام أو يقوم بانقلاب ويحكم البلاد حكما عسكريا لعشرات السنين. تكررت هجمات الغاز الفظيعة ومات البعض من الإختناق وتنادى الناس بالخل يبللون به الكمامات للحماية من الغاز. رأيت داخل ممرات الاختباء عشرات المنهكين والمغشي عليهم، وسمعت صيحات تسأل عن وجود أطباء بين المتظاهرين. قام الشاب الملقى بجواري وقال أنا طبيب وأخذ يسعف أحد كبار السن المحتضرين. إنهار أحد الشباب بسبب مقتل البعض وطالب الناس بالانصراف قبل أن يقع قتلى آخرين فإذا بالنساء ينهرنه بعنف وكدن يفتكن به، خمنت أن تلك النساء هن أمهات وزوجات وبنات معتقلين سياسيين لا يرون خلاصا لأسراهم سوى بالقضاء على هذا النظام العنيد..

من حين لآخر كانت بعض الحشود القادمة من جهة غمرة تخترق صفوف الأمن وتصل إلينا فكان ضغطنا يزيد على حشود الأمن وكانوا يتراجعون من الجهتين حتى صار ميدان رمسيس بالكامل ساحة تظاهر كبرى وكذلك بداية شارعي الجلاء ورمسيس من الجهة الموصلة للتحرير، وصارت الشوارع المتصلة ببولاق وشبرا والسبتية وروض الفرج موردا للشباب الشعبوي المتمرس على الشجار والكر والفر. وكان الضرب بقنابل الغاز متواصلا حتى صار المكان كله معبئا بالغازات الخانقة. تكررت هجمات الغاز الكثيفة وتكرر الفرار ثم العودة للضغط على قوات الأمن، فبمجرد أن تخف الغازات قليلا كان الشباب يتنادون بالصفير للكر على قوات الأمن. حتى ذلك الحين كان الطابع العام لازال طابع مظاهرات وإن غلب على الهتافات لكنة شعبية، فقد رأيت شابا شعبويا سفروته محمولا على الأكتاف يهتف في وجوه الضباط: يا ظباط يا ظباط.. عيشوا بشرف.. كاتكوا القرف.

خلال الكر والفر رأيت في أول شارع موصل بين شارعي الجلاء ورمسيس كتيبة أمن مركزي تنطلق بالعصي المشهرة والصيحات المرعبة تهاجم حشدا من المتظاهرين فيفر الحشد لكي يكر بعد حين ولكن فتاة صغيرة محجبة لا تتعدى 17 عاما وقفت وحدها في وجه الكتيبة المرعبة تصرخ فيهم اضربوا.. اضربوا.. ، وعندما وصلوا إليها أخذوا يلوحون بالعصي ويصيحون الصيحات التي تعلموها في المعسكرات ولكن لأنهم قبل كل شيء فلاحين وصعايدة لم يضربوها رغم تحديها لهم بصيحات هستيريه.. اضربوا.. اضربوا.. غير أن واحدا منهم (ربما كان بلطجيا قبل أن يجند في الأمن المركزي) ضربها ضربة قوية على ساقها تحملتها دون تراجع، وتحاشها الآخرون وتراجعوا عنها، وظلت هي تتحداهم في منتصف الشارع وحدها مدة من الزمن ثم رأيتها بعد حين في مدخل أحد العمارات تبكي.. لا أدري هل تبكي ألم الساق أم ألم النفس أم كلاهما معا. ولأني في الخمسين من العمر ومعاق لم أكن أستطيع الفرار ثم الكر مع الشباب وقد وجدت الجنود والضباط خلال هجماتهم الشرسة يتجاهلونني ولا يمسوني بسوء، فليس كل رجال الشرطة وحوشا كاسرة وإن كانت القسوة طابعهم العام وبعضهم كان يتصف بالإجرام الطاغي كما سنرى.

كان بعض المتظاهرين وأنا منهم لا يمانعون في الاقتصار على التظاهر أمام مسجد الفتح وعدم الوصول إلى ميدان التحرير فتظاهر عشرات الآلاف أمام كل مسجد يبعث برسالة قوية هادرة، كما إن ميدان رمسيس وقد صار ساحة تظاهر كبرى لا يقل أهمية في نظري عن ميدان التحرير، ولكن اشتد حنق الجميع وغضبهم بسبب الإفراط في الضرب بالغازات الخانقة والرصاص المطاطي وسقوط القتلى والجرحى فأصروا على اختراق الحاجز الأمني والوصول إلى ميدان التحرير، فكان عنف الشرطة وتعنتهم في منع المسير إلى التحرير هو الذي فجر براكين الغضب والانتقام. لم تعد مظاهرة سلمية بل صارت معارك طاحنة، وعندما استنكر أحد شباب السلمية قذف الطوب على الشرطة رد عليه زملائة: (سلمية ايه بقى بعد اللي عملوه فينا). وكان إحراق قسم شرطة الأزبكية إمتدادا طبيعيا لتلك المعارك الطاحنة مع قوات الشرطة. ورغم زيادة أعدادنا ورغم تراجع قوات الأمن وزيادة المساحة التى نشغلها إلا أننا كنا في غاية الإنهاك واقتربنا فعلا من اليأس بعد أن كادت الشمس تغرب بلا أمل في الاختراق إلى ميدان التحرير، وفي هذه اللحظات العصيبة فوجئنا بهتافات مدوية وحشود هائلة قادمة من جهة غمرة، يلوحون بأعلام مصر وبعضهم عاري الجذع يعتلى الأكتاف رافعين عصي قوات الأمن وعلى أسنتها خوذات الجنود في إشارة لسحقهم القوات التي اعترضت سبيلهم..

قليلون جربوا شعور المحاصرين اليائسين حين يأتيهم المدد.. إنه شعور بالسعادة الغامرة ليس له مثيل، ربما بلغ عددنا الآن مائة ألف فالجحافل القادمة لا نهاية لها وقد اندفعوا فور وصولوهم بعنفوان هائل نحو حشود الأمن المعترضة فتراجع الجنود مع إطلاق عدد هائل من قنابل الغاز، سقط كثير من المتظاهرين وتنحى الكثير جانبا وظل الكثير وسط الشارع يلتقطون القنابل ويعيدون قذفها نحو الجنود، سرعان ما تجمعت حشود المتظاهرين حتى قبل أن تزول الغازات واندفعوا مرة ثانية وثالثة وصار واضحا أن الجنود يفرون ويطلقون القنابل والرصاص خلال فرارهم. لم تساعدني ظروفي لأكون في المقدمة ولكن بدا أن المقدمة في اشتباك عنيف مع القوات الهاربة. كلما تقدمت في شارع رمسيس نحو ميدان التحرير رأيت سيارات ومصفحات وشاحنات الأمن المركزي مشتعلة بالنيران. توقف كثير من المتظاهرين في منتصف المسافة لأداء صلاة المغرب في جماعة بينما جلست أستريح على الرصيف أتأمل السيارت المشتعلة.

لم يكن المتظاهرون يحملون زجاجات المولوتوف ولم يحرقوا سيارات الأمن المركزي في شارع رمسيس بالمولوتوف بل أحضروا صناديق القمامة وأشعلوا فيها النيران ودفعوها إلى جوار سيارت الأمن المركزي التي تركها الجنود وفروا، في بعض الأحيان كان بعض الجنود يجلسون في كابينة السيارة وقد سمرهم الفزع فكان المتظاهرين ينقذوهم من السيارة قبل إحراقها ويعطوهم ملابس مدنية ليفروا بها من غضب الجماهير، وفي تلك الأثناء كان الشباب يمنعون أي اعتداء.. بل أي تزاحم حول السيارات الخاصة خشية أن تصاب بأي ضرر. تجمع حشد كبير حول أحد الضباط أو الجنود (لم أتبينه بالضبط) حاول البعض ضربه فتجمهر كثيرون يدافعون عنه ويهتفون سلمية سلمية. مررنا بصورة قماشية هائلة لحسنى مبارك معلقة على أحد البنايات العالية، تسلق عدد من الشباب وأخذوا يمزقون الصورة وتوقف الكثيرون لتصوير ذلك بهواتف المحمول وعندما هوت الصورة تعالت صيحات الفرح والتكبير. مررنا بنقابة المحامين التي اعتلى سطحها عدد من المحامين بالبدل والكرافت وقد لوحوا بأيديهم يحيون المتظاهرين فهتف المتظاهرون محيين نقابة المحامين.

عندما اجتاحت الحشود الغاضبة قوات الأمن وسقط كثير من الجنود والضباط مغشيا عليهم من الغازات التي أطلقوها كان المتظاهرون يسعفونهم ويعطوهم ملابس مدنية حتى يستطيعون الخروج بسلام من طوفان الغضب، والجنود الذين كانت حالتهم صعبة حملوهم إلى أقرب مستشفى وصدوا عنهم الغوغاء الغاضبين. وقد رأيت الممرضات يطللن من نوافذ المستشفى الكبير في شارع رمسيس ويلقين كميات ضخمة من الكمامات للمتظاهرين ويشرن بأيديهن أننا معكم. وعند مدخل ميدان عبد المنعم رياض من جهة شارع رمسيس جلست على الرصيف لأستريح مسندا ظهري إلى الحائط وظن بعض الشباب أني في حاجة إلى الإسعاف فخفوا لمساعدتي لكني أخبرتهم أني أستريح فحسب، وبينما أنا جالس إذا بسيارة أمن مركزي (لوري ضخم خاص بنقل الجنود) تنطلق بأقصى سرعة لتهرس عشرات المتظاهرين مع إطلاق وابلا من الرصاص، لا شك أنهم عدة ضباط حوصروا بين حشود المتظاهرين وظنوا ألا نجاة لهم إلا بدهس الناس على الإسفلت، تمنيت أن يكون أحدا قد صور ذلك المشهد، لكن للأسف لم أره على الفضائيات مما يرجح عدم تصويره، وأرجو أي شخص إلتقط صورة لهذه المجزرة أن يبادر إلى نشرها من أجل التاريخ والعدالة والقصاص.

أثناء المسير نحو ميدان التحرير توقعت أن ذخائر الجنود لابد أنها قد نفذت وعندما كنت أرى سيارات الإسعاف تنطلق خلال الحشود ويشير سائقها وزميله لنا بعلامة النصر كنت أشعر أن هذه السيارات تحمل الذخائر والمدد للجنود، وصدق حدسي كما علمنا بعد ذلك ولكن لم يلهمنى الله التصرف الصحيح رغم يقيني بما يجري. عندما صرت في قلب ميدان التحرير وقد أظلمت السماء شعرت بالانتصار والزهو.. لقد فرضنا إرادتنا على جحافل الأمن المدججين بالسلاح. ظل الإشتباك مع قوات الأمن عند مدخل شارع القصر العيني وبجوار الجامعة الأمريكية، طلقات رصاص وقنابل ودوي انفجارات وحرائق، كنت منهكا فعجزت عن الوصول إلى الصفوف الأمامية جلست في منتصف الميدان تقريبا وإذا بسيارات شرطة عسكرية تدخل الميدان وتريد التوجه نحو مكان الإشتباك، خمنت أنهم يريدون مساعدة قوات الأمن المركزي لكن المتظاهرين رحبوا بالجيش ترحيبا خرافيا وأحاطوا بالسيارات وأطلقوا الهتافات: الجيش والشعب إيد واحدة، وعجزت السيارات عن مواصلة المسيرة من شدة الزحام حولها.

أدركت أن المعركة قد حُسمت وأردت العودة لبيتي، تحاملت على نفسي وسرت أمام الجامعة العربية ثم انعطفت يمينا لأصل لكوبري أكتوبر. رأيت المقر الرئيسي للحزب الوطني مشتعلا وكان مجاورا للمتحف ففزعت أن تكون النيران قد وصلت للمتحف وسألت بعض الحاضرين عن ذلك فطمئنوني أنها لم تصل. أثناء احتراق المقر الرئيسي للحزب الوطني تدفق آلاف الشباب من عشوائيات إمبابة وقد قابلت أسرابهم تتدفق من كوبري أكتوبر يفركون أيديهم سرورا بالغنائم التي تلوح لهم. وقد دخلوا المقر المحترق ليسرقوا ما تسنى لهم سرقته وخاصة أجهزة الكمبيوتر، وكان شباب المتظاهرين يأخذون الأشياء المسروقة من هؤلاء الناهبين ويكسرونها على الإسفلت حتى لا توصف ثورتهم بثورة الحرامية. وقفت طويلا على كوبري أكتوبر أشير للسيارات دون جدوى حتى توقف لي تاكسي، رأيت المدرعات عند مدخل ميدان العباسية وكذلك عند نفق العباسية المؤدي لقصر العروبة وعند التقاطعات الرئيسية في مدينة نصر لكنهم لم يكونوا يعترضون أحدا من المارة، تنقلت من سيارة لأخرى حتى وصلت بيتي وأنا في غاية الإنهاك والسعادة والاستغراب لما جرى..

كان لأول مظاهرة مليونية في ميدان التحرير مذاق خاص وسرور وحبور، وقد اكتشفت مختلف فئات وتيارات الشعب نفسها وعَبَّر أحدهم عن ذلك موجها كلامه لمبارك: منك لله خليتنا نحب بعض. ورأيت أحد الشباب تبدو عليه ملامح أولاد الذوات.. رأيته ينظر بسرور نحو بعض الملتحين ويقول لهم: (شفتم لما المشايخ اتحدوا مع الزنادقة أمثالي قدرنا نعمل ايه). وفي الحديقة المستديرة بميدان التحرير مساء أول تظاهرة مليونية إذا بشاب بسيط الحال في نحو العشرين ألقي نفسه على ظهره بجواري والتفت نحوي بسعادة وأمل ورجاء وقال لي: (يعني كده خلاص هلاقي شغل بأجر كويس؟)، تمالكت دموعي بصعوبة شديدة وقلت له: (أيوة إن شاء الله). وشعرت بعبأ ثقيل على رجال هذه الثورة، فيجب عليهم ألا يخذلوا هذا الشاب وأمثاله الذين آمنوا بشعارت الثورة وصدقوها وبذلوا دمائهم وأرواحهم في سبيلها، فويل لمن يخون هذه الأمانة ويخذل هؤلاء الأبرياء الأنقياء.. الأبطال المجهولون الذين إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا، ويل ثم ويل لمن يخون هذه الآمال العريضة والحماس البريء.

كان شباب الفيس بوك المنظمون لميدان التحرير يتميزون بقدر لا بأس به من السذاجة فكانوا يتصرفون بردود الأفعال، فعندما أتهمتهم أجهزة الإعلام أنهم مجرد خمسون ألفا في ميدان واحد بينما الشعب المصري ثمانون مليونا أخذوا يطوفون على المتواجدين في ميدان التحرير رافعين لافتات تطالب الناس بعدم الاقتصار على ميدان التحرير ويحددون عدد من الميادين الأخرى للإعتصام والتظاهر ونبهتهم وكذلك عدد من الحاضرين إلى تلك الخديعة فأجهزة الأمن تريد تفريق الجمع الغفير والعالم كله لا ينظر سوى لميدان التحرير فاستجابوا بسرعة، وتحمد لهم سرعة الاستجابة. كذلك رأيتهم يطوفون صباح الأربعاء الدامي لإيقاظ النائمين في الميدان لأن الإعلام اتهمهم بأنهم كسالى يتخذون الميدان ساحة للنوم، قلت لهم: (أرجوكم اسمعوني واعقلوا قولي.. لا تتصرفوا بردود الأفعال إن هؤلاء لم يغمض لهم جفن ليلا بسبب البرد القارص وبسبب فرق الإزعاج المندسة بينهم.. الأمن يريد إنهاك الشباب لأمر يدبره.. دعوهم يرتاحون حتى يستطيعون مواجهة ما هو آت)، واستجابوا سريعا أيضا، ولكن واصل المندسون إيقاظ الناس بحجة الرد على دعاوى الكسل.

كان الشيخ صفوت حجازي وكذلك الدكتور محمد سليم العوا متواجدين يوميا في ميدان التحرير كان الشباب يلتفون حول الدكتور العوا يسألونه فينصحهم بما يفعلون، أما الشيخ صفوت فكان يُحمل على الأكتاف ويجول في ميدان التحرير يتبعه عشرات الآلاف مرددين وراءه الهتافات، وكان الرجل يهتف بحرارة بالغة حتى تتحشرج أنفاسه وينقطع صوته ويبلغ به الإنهاك مبلغا. لا أدري كيف عرف الشيخ صفوت بما يدبره مبارك لميدان التحرير، فقد أمَّنا الشيخ في صلاة فجر الأربعاء الدامي وقنط قنوطا طويلا ودعى دعاءا حارا وفزع إلى الله وبكى متوسلا إليه أن ينقذ المعتصمين مما يدبره الطاغية وأعوانه وأن يجعل الله تدميرهم في تدبيرهم، وأرى أن الله قد نظر إلى ميدان التحرير نظرة رحمة وسمع التضرع والبكاء والنحيب فقضى أمرا كان مفعولا والحمد لله رب العالمين.

ليلة الاثنين وليلة الثلاثاء دست الأجهزة الأمنية مئات وربما آلاف بين المعتصمين في ميدان التحرير بعضهم كان يجمع المعلومات بغباء مفضوح وبعضهم كانت مهمته أن يتحدث بصوت عال طوال الليل ليحرموا الشباب من النوم حتى تكون قواهم خائرة يوم الأربعاء المعروف بموقعة الجمل، وهذا دليل على أن موقعة الجمل كان مخططا لها قبل وقوعها بأيام. مساء الثلاثاء طافت بعض الشابات بالمعتصمين للتنبيه على ضرورة عدم استخدام هتافات مُسيئة مثل حمار وكلب وخنزير لأننا متحضرون وثورتنا حضارية وسلمية، قلت لإحداهن وكانت فتاة محجبة ومثقفة إن هتافات حمار وكلب وخنزير هتافات سياسية معترف بها في كل أنحاء العالم.. المهم هو ألا تكون هتافات خارجة (وعلى نحو مدهش لم تكن هناك أي هتافات خارجة على الإطلاق)، وعندما أصرت على طلبها قلت لها: مَنْ أنت حتى تعطين أوامر للشعب؟ ربما أنت مدسوسة حتى لا تسقط هيبة الرئيس، فبكت وقالت والكلمات تخنقها أنها تكره الرئيس كما لم يكرهه أحد لأنه تسبب لها في إيذاء بالغ، ثم مضت قبل أن أعتذر لها، فإن صادف وقرأت هذا الكلام فأرجو أن تقبل إعتذاري. والحقيقة أنها كانت تتصرف بردود الأفعال أيضا فقد استنكر الإعلام المصري إهانة رئيس البلاد وأبا الشعب!

وقد نبه علينا الشباب مساء الثلاثاء وصباح الأربعاء أن هناك مظاهرة للحزب الوطني ستدخل ميدان التحرير وأننا سنتعامل معهم بمنتهى التحضر ونفسح لهم ونحميهم من الغوغاء، اعترضتُ على ذلك ورأيت أن هذا جنونا مطبقا ويجب منعهم من الدخول أصلا لأن الإشتباك في حالة دخولهم أمر حتمي مما سيؤدي إلى مجزرة دموية، وبمجرد دخولهم الميدان سيتم تصويرهم وإيهام العالم أن الحشود في ميدان التحرير مؤيدة لمبارك. ورغم ذلك آملت أن تكون تظاهرة هزيلة وأن تعلو هتافاتنا على أصواتهم. ولم يخطر على بالي أنهم سيرسلون حشودا هائلة من البلطجية المسلحين.

صباح موقعة الجمل هبط جميع جنود الجيش داخل مدرعاتهم ولم يخرجوا منها أو يطلوا برؤسهم وظلت المدرعات على جانب مداخل ميدان التحرير، ولو أرادوا منع الاشتباك بين البلطجية والمتظاهرين لكان يكفي أن يوقفوا المدرعات بعرض الشارع ويُطلقوا الرصاص في الهواء جهة مَنْ يحاول الاحتكاك بهم أو بالطرف الآخر، لكن يبدو أنهم تلقوا الأوامر بترك البلطجية (تحت عنوان المؤيدين لمبارك) يخلون الميدان. ولم يحدث إطلاق نيران في الهواء من قِبل الجيش سوى مرة واحدة في أحد المداخل، وقيل بعدها أن أحد الجنود قال للضابط: يا فندم البلطجية هيخلصوا على الناس، فقال له الضابط ليس لدينا أمرا بالتدخل، قال له الجندي: يا فندم هضرب نفسي بالنار، فقال له الضابط: أضرب طلقتين في الهوا ناحية الحزب الوطني، ففعل وسمعنا صوت إطلاق النار. وحتى لو كانت هذه الرواية مخترعة فهي أبلغ في دلالتها عما لو حدثت بالفعل. فهي تعكس نظرة الشعب للجيش وتعكس حُسن الظن برجاله.

في ظهيرة الأربعاء كنت أجلس في الحديقة المستديرة في مواجهة مجمع التحرير وفجاءة جاءت فتاة تهرول وتصيح أن مظاهرة الحزب الوطني قد دخلت ميدان التحرير من ناحية المتحف، أسرعت بالتوجه نحوهم ورأيتهم قد بلغوا ثلث الميدان تقريبا وملئوا ميدان عبد المنعم رياض والشارع الواصل بينهما، جُن جنوني عندما رأيتهم يحملون صورة كبيرة للطاغية في قلب ميدان التحرير.. هذا الميدان لنا.. لقد حررناه بدمائنا، نزلت إلى الشارع في مواجهة مظاهرة الطاغية وقد أوقف تقدمها حشود شباب التحرير. الشيء الوحيد المتوقع منطقيا هو أن يهتف كل فريق بهتافاته ثم يتشاتمون ثم يتدافعون ثم يشتبكون في قتال دامي، فأي عقلية دموية تلك التي خططت وأوصت ونفذت ذلك الإجرام. نزلت وسط حشود الشباب وقد بدأ التشاتم والاتهام بالعمالة، ومن المضحك حقا أن البلطجية كانوا يسألوننا: كم قبضتم؟ لا أدري كيف وجدت نفسي في الصف الأول وقد بدأ التدافع بالأجساد، وقد رأيت البلطجية المتظاهرين بغالا عتاة ونظرت عن يميني وشمالي فرأيت شبابا هزيل الأجسام مثقف الملامح فأشفقت من ذلك إشفاقا كبيرا..

كان التدافع والتضاغط هائلا حتى شعرت بإنقطاع النفس عدة مرات ولكن رغم ذلك وجدت قوة غير منطقية تسري في جسدي، كان بعض البلطجية يتسرب داخل صفوفنا فأقبض عليه من قفاه فيصيح: أنا معكم.. أنا معكم، فأقول له إذا كنت معنا فليكن وجهك في هذا الإتجاه وأجذبه من قفاه وأديره نحو البلطجية فيصبح في مواجهة زملاءه. ولا أدري كيف استطاع الشباب هزيل الأجسام أن يدفع هؤلاء البغال إلى الوراء عشرات الأمتار. كانت عمارات التحرير عن يمننا وجزيرة مرتفعة مسورة عن يسارنا، هذه الجزيرة كان بها مبنى يرتفع نحو متر عن الأرض ويقف فوقه حشد من البلطجية، في البداية كانت تظاهرة البلطجية متقدمة عن ذلك المبنى وكان البلطجية فوق المبنى يرشقون الشباب بالحجارة فيرد الشباب هاتفين سلمية سلمية.، وعندما دفعنا البلطجية إلى الوراء صار البلطجية المعتلين للمبنى فوق رؤوس الشباب جهة اليسار، لم أر ما حدث تلك الناحية لكن لابد أنهم قذفوا الشباب بالطوب أو لوحوا لهم بالسيوف لأن صفوفنا أنهارت جهة اليسار عندما أصبح البلطجية فوق رؤوس الشباب. واندفع البلطجية بعنف بالغ يضربون ويدوسون الشباب جهة اليسار، رد الشباب في الخلف بالطوب فإذا بالبلطجية يطلقون سحابة كثيفة من الأحجار ناحيتنا، تراجع الطرفان المتلاحمان بسرعة كبيرة تجنبا لطوفان الحجارة المنهمر..

لم أستطع التراجع فتنحيت جانب الطريق، أصابني حجر في رأسي ثم رشقني أحد البلطجية بلوح زجاجي في حجم البلاطة المتوسطة.. كاد اللوح يصيب وجهي فاتقيته بذراعي الأيمن فأحدث قطعا غائرا في منتصف الساعد، فعل الأدرينالين المفرز داخل الجسم فعله فانتابتني حالة عجيبة من الهياج والإصرار على عدم التراجع رغم قذائف الحجارة الموجة نحوي وقد صرت في منتصف المنطقة الفراغ بين المتقاتلين. كنت أستند بجنبي الأيمن على السور الحديدي ولما حاولت التقدم وجدت امرأة شعبية تعترض سبيلي وترجوني أن أتراجع لتلقي العلاج.. صحت فيها أن تتنحى من أمامي فلم تستجيب.. صرخت فيها بكلام قاس لكي تدعني وشأني (أوعي من وشي يا ولية.. مفيش واحدة ست تقف قدامي)، فكانت تجيب بتوسل: (معلش يا أخويا حقك عليا.. أبوس إيديك ارجع قبل ما تموت). أسرع نحوي عدد من الشباب وطلبوا مني التراجع لأن دمي قد تصفى، صحت فيهم: (ايه؟.. فيه ايه؟.. أنا كويس أوي.. أنتم واقفين تعملوا ايه؟ أهجموا عليهم.. طلعوهم من الميدان)، وأشير بيدي اليسرى لكي تتقدم الجموع نحو البلطجية. صاح أحدهم: (أنا طبيب وهذا شريان مقطوع أحملوه رغما عنه). نزعت المرأة عني قميصي وربطت به ذراعي وأمسكني بعض الشباب يحاولون حملي فتمسكت بيدي المجروحة في السور الحديدي بقوة غريبة فعجزوا عن نزعها وصرت أصيح بهستيرية (أوعوا.. سيبوني.. مفيش خطوة لورا.. مفيش خطوة لورا)، عندما أمسك أحد الشباب بساقي فوجدها ساقا صناعية أنفجر باكيا وأخذ يقول أنا بدالك يا أبويا.. أنا بدالك يا أبويا.. ، وقد استغربت هذه الكلمة، فقد كنت أشعر (على غير الحقيقة طبعا) أني في عمر هؤلاء المتظاهرين!

خارت قواي واستسلمت للشباب فحملوني إلى الخلف وأدخلوني شارعا جانبيا ثم أدخلوني ما يشبه جراج أسفل أحد المباني كان يستخدم كعيادة إسعاف حيث عشرات الجرحى يتوافدون محمولين والأطباء يهرولون بين هذا وذاك.. خاطوا لي الجرح بلا مسكنات ورغم ذلك لم أشعر بالألم، ووجدوا أن الإصابة في رأسي خدش بسيط. بدأت نفسي تهدأ رويدا.. دخل أحد الشباب بصعوبة بالغة باحثا عني وأعطاني البطاقة التي أستلم بها راتبي والمال الذي كان في جيبي وسقط مع البطاقة، سألني عن قميصي فتلفت حولي ولم أجده، كنت عاري الجذع فخلع بعض ملابسه وألبسنيها وساعدني على القيام وأسندني مع رجل آخر وعادا بي إلى ميدان التحرير من جهة الجامعة الأمريكية. شعرت أنى خائر القوى وأدركت أن دوري في المعركة قد انتهى فطلبت منهم أن يذهبا بي إلى مكاني قبالة مجمع التحرير.. لم يتركاني إلا عندما سلماني لشخص يعرفني.. شكرتهما ودعوت لهما وجلست يلفني شعور بالسكينة والصفاء.

عقب حملي من المواجهة هجم البلطجية بالخيل والجمال وظل القتال متواصلا طوال النهار وطوال الليل وقد صمد الشباب واستبسلوا عند مداخل الميدان وجمعوا حواجز المرور وألواح الحديد من سور المقاولين العرب وصنعوا بها متاريس عند جميع مداخل الميدان، وقد تجاوزوا المتاريس وطاردوا البلطجية وأخرجوهم من ميدان عبد المنعم رياض أيضا رغم صعوبة ذلك بسبب إعتلاء البلطجية للكباري في ذلك الميدان. لم أجد لنفسي دورا وقد عجزت عن السير بل حتى عجزت عن الوقوف، فأخذت ألوح بعلم مصر لعلي بذلك أرفع الروح المعنوية لدى الشباب الذين يهرولون من هذا المدخل إلى ذاك، ولم أكن أتخيل يوما أني سألوح بهذا العلم، فقد أفقدونا الانتماء لهذا البلد بعد أن صيرونا عملاء لليهود والأمريكان نساعدهم على غزو العراق ونشجعهم على غزو لبنان ونحاصر لهم غزة، لبئس ما كانوا يفعلون.

كانت إذاعة الميدان تصرخ طوال الوقت بالتوجه نحو المدخل الفلاني لأن البلطجية كادوا يخترقوه، ثم تصرخ الإذاعة بضرورة إراحة الشباب عند المدخل الفلاني لأنهم يسقطون من التعب، ثم تعمل على تشجع الناس بإذاعة أن الشيخ صفوت قد توجه إلى الميدان على رأس ثلاثة آلاف شاب، وأن عشرة آلاف شاب في الطريق إلى الميدان من مختلف المناطق.. أصبروا يا شباب فالنصر قريب.. أصمدوا أيها الأبطال. البنات والنساء كن يهرولن طلبا للمدد من الجالسين للإستراحة وكن يجمعن الطوب ويعطوه للشباب عند المداخل، ويصحن طلبا للكراتين ليستخدمها الشباب على رؤسهم واقيا من الحجارة، ثم يهرولن بحثا عن الزجاجات في القمامة حتى يصنع منها الشباب قذائف المولوتوف ثم يهرولن بحثا عن المواسير البلاستيكية التي تثبت بها أعلام مصر ليستخدمها الشباب كخراطيم يمتصون بها وقود الدبابات ليصنعوا المولوتوف. لم أر في حياتي ملحمة كملحمة الأربعاء، لم أتخيل أن أقف يوما خلف متاريس كمتاريس الثورة الفرنسية، يا له من ميلاد جديد لأمة عظيمة.
جاء أحد الشباب حاملا زميله المصاب ووضعه بجواري وعهد به إليَّ، كان شابا ريفيا متعلما فارع الطول قوي البنية لكنه كان مضعضعا يكاد يُحتضر. قال لي أحد الحضور هناك سيارات إسعاف قرب المداخل دعنا نحمله إليها، فهمس لي الشاب بوهن بالغ رافضا ذلك وقال: (الإسعاف معهم ويقبضون على المصابين). سقيته ماءا وأطعمته شيئا يسيرا وغطيته بأغطية ثقيلة أخذتها من حولي دون إذن أصحابها. كان ينام أو يغشى عليه ثم يفيق، سألته ما الذي فعل به ذلك؟ قال: (بل أنا الذي فعلت بالبلطجية الأفاعيل وما أصابني ليس مهما). كان زميله يتفقده من حين لآخر ويربت عليه ويعطيه مضادا حيويا مرة ومسكنا مرة أخرى، وفوجئت به يسألني عن زميله هذا ويدعو له، قلت له أليس صاحبك! قال لا.. أنا لا أعرفه.. لقد أنقذني وحملني إلى هنا ولا أعرف حتى اسمه. هؤلاء هم الأبطال المجهولون الذين لن ينالوا حتى كلمة شكر، لكن جزائهم عند الله عظيم. وقد قال لي أنه سيندم لبقية حياته لأنه كان يُسيئ الظن بقناة الجزيرة، وقد صار لقناة الجزيرة شعبية عارمة لدى المتظاهرين.

لقد انتصر الشباب وصمدوا وكان للإخوان المسلمين دورا كبيرا في صد البلطجية عن الميدان وعندما قمت قبل الفجر وتوجهت إلى المدخل المجاور لجامع عمر مكرم رأيت الأخوان المسلمين يحمون المدخل وكانوا في غاية الإنضباط والنظام والشجاعة ولولاهم في ذلك اليوم وتلك الليلة لأحتل البلطجية وأنصار الحزب الوطني ميدان التحرير ولفشلت الثورة فشلا ذريعا. كان وقوفي معهم بلا أي فائدة حقيقية ولكني قلت في نفسي لعلي أُكثر سوادهم ولعل الله يكتبني معهم، فالله يعطي الأجر الجزيل على العمل القليل. وعندما جررت جسدي للعودة إلى البيت صباح الخميس قابلت المدد الآتي.. آلاف مؤلفة من الشباب لم يتمكنوا من الوصول إلا صباح الخميس وكانوا يحيون المصابين والجرحى بمودة شديدة وحسد على ما نالوا من شرف..

تلوث الجرح وامتلئ بالصديد، وتجاوزت الحشود عدة ملايين كل يوم، واعتذر شفيق عن موقعة الجمل وأعلن أنها لن تتكرر فوجدت أن مشاركتى لا معنى لها وتابعت المظاهرات وتطور الأحداث على الفضائيات، لكن بعد آخر خطاب لمبارك وجدت أن الوضع قد صار إلى هاوية سحيقة ويجب أن يكون الرد على الخطاب هو تظاهرات مزلزلة تحاصر القصور الرئاسية وكل المباني السيادية وتوقعت اشتباكات دامية بين الحرس الجمهوري والمتظاهرين. توجهت يوم الجمعة الذي أعقب آخر خطاب إلى قصر العروبة من جهة الخليفة المأمون، لم أكن أمانع أن أصلي الجمعة ظهرا بجوار القصر الرئاسي ولكني وجدت الحراسة مشددة على مدخل الشارع المؤدي إلى القصر ورأيت الشرطة العسكرية والشرطة العادية توقف السيارت الداخلة، فواصلت المسير نحو ميدان روكسي وصليت الجمعة في أقرب مسجد للميدان. كان الخطيب عجيبا فهو يخطب في موضوع تافه ثم يدس بين الكلام عبارات ثورية، حتى في القراءة بعد الفاتحة قرأ في الركعة الأولى {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم مَنْ قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدلوا تبديلا} ثم قرأ في الركعة الثانية آيات لا علاقة لها بالأمر. تصورت أن المصلين سيتجمهرون أمام المسجد وأن ميدان روكسي سيمتلئ عقب الصلاة بالحشود الهادرة، لكن لم يحدث شيئا من هذا..

جلست فترة في ميدان روكسي لعل الحشود تأتيه من الأحياء الأخرى لكن بلا جدوى، سرت ناحية الخليفة المأمون فوجدت بعض الشباب يتجهون فرادى أو مثنى وثلاث نحو القصر الرئاسي فسرت خلفهم ولم أجد الحراسة التي كانت تمنع دخول الشارع قبل الصلاة. ولكن عندما وصلت للقصر أُسقط في يدي إذ كان التجمهر لا يزيد عن ألفين أو ثلاثة وكان بعضهم ينصرف أيضا. وصلت إلى القصر من ناحية نادي هليوبوليس فوجدت الشارع مقطوعا بكتل خرسانية ضخمة وأعمدة حديدية مثبت فيها لفائف ضخمة وعالية جدا من السلك الشائك وخلف هذا الحاجز الهائل تقف دبابات الحرس الجمهوري وهي دبابات ضخمة الحجم جدا من طراز لا عهد لي به، كانت أبراج الدبابات وكذلك رشاشتها موجهة نحو المتظاهرين ويطل من أبراجها الجنود بخوذات القتال، ويقف ثلاث ضباط خلف السلك في مواجهة المتظاهرين..

ظل المتظاهرون يهتفون وينشدون الأهازيج ويلوحون بالأعلام وإزداد العدد تدريجيا حتى بلغ نحو عشرون ألفا ورغم ذلك كان هذا العدد مخيبا جدا للآمال، ولكن ترددت الأقاويل أن ثمانون ألفا من متظاهري التحرير في طريقهم إلينا. جاء شباب من الأطباء والطبيبات بزيهم الأبيض ووضعوا معداتهم في الحديقة المثلثة القريبة من القصر وأخذوا يحددون مكان العيادة بالشاش الذي يربطونه من شجرة لأخرى ورفعوا لافتات تشير إلى أن هذا المكان به عيادة لإسعاف الجرحى. وصلت أخيرا حشود التحرير وقد تجاوزوا المائة ألف ودوت الهتافات الهادرة وتزلزلت الأرض وارتجت الجدران، فالحمد لله رب العالمين، كان المتظاهرون يكلمون الضباط بحدة فيرد الضباط برفق ولين. صاح فيهم أحد الشباب متسائلا ومشيرا إلى منطقة القصر: هي دي دولة تانية؟ فرد الضابط: لأ طبعا، فقال الشاب طب ايه اللي أنتم عاملينه ده، فقال الضابط: الريس مش هنا وإحنا بنحمى القصر ده لأنه ملك الشعب، رد عليه البعض أن هذا القصر ملك مبارك وكمان سارقه من صاحبه الحقيقي. كان بعض الشباب يحرك الأسلاك لأعلى وأسفل بعنف بالغ وحنق وتداخل الكثيرون بين الأسلاك، فكان الضباط يحاولون التهدئة وينفون أنهم من الحرس الجمهوري فرد عليهم البعض أنتم هتضحكوا علينا.. إحنا خدمنا في الجيش وعارفين علامة الحرس اللي على الدبابات.

تسلق أحد الشباب عمود كهرباء ضغط عالي في الرصيف الوسطي بين اتجاهي الشارع، وكانت لفائف السلك الشائك عند قاعدة هذا العمود، توقف المتظاهرون عن الهتاف وتطلعوا لما يفعله هذا الشاب وخافوا عليه أن يُصعق بالكهرباء فهتفوا له: إنزل.. إنزل، ولكنه واصل صعود العمود الشاهق ثم ثبت علم مصر في أعلاه فصاحت الجماهير صيحات النصر وهتفوا بلادي بلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي.

حلقت طائرتان عموديتان في دائرة حول المتظاهرين كما كانت تفعل الطائرات في ميدان التحرير، وهي غالبا طائرات تصوير. ثم بعد قليل ارتفعت طائرة عمودية من ناحية القصر وابتعدت عن المكان، شعر المتظاهرون أنها تحمل الرئيس مغادرا فصاحوا: غور.. غور.. ، ولوحوا بأيديهم تعبيرا عن نفس المعنى. بعد قليل غير الضباط إتجاه أبراج الدبابات فبدلا من توجهها نحو المتظاهرين توجهت للجهة الأخرى فصفق لهم الجمهور بحماس شديد، ثم أخذ الضباط وبعض الجنود يلقون زجاجات المياه وعبوات البسكويت على الجمهور وصفق لهم الجمهور أيضا. صليت المغرب وجلست أستريح في الحديقة بجوار العيادة لم أكن متعجلا أي شيء. ولكن على حين فجاءة جن جنون الجماهير هتافا وصياحا، قمت مندهشا أتسائل عن الأمر فقالوا أن الرئيس قد تنحى، لم أصدق أذني وأخذت أعيد السؤال لهذا وذاك. كان أول هتاف تبينته بعد الصياح العنيف: يا شهيد نام وارتاح.. حسني مبارك كلب وراح. رغم فرحي الشديد إلا أني شعرت بشيء من خيبة الأمل لهذا النصر السهل السريع فقد عولت على المبيت أياما، بل هيئت نفسي أيضا للموت عند أسوار هذا القصر.

تراجعت الجماهير عن القصر في احتفالات وأهازيج وهتافات ونيران من عبوات الإسبراى، وقف الناس في الشرفات يلوحون للمتظاهرين. سألت بعض الواقفين عند مدخل أحد العمارات عن صحة وتفاصيل الخبر فقالوا أن مبارك تنحى وسلم السلطة لعمر سليمان، فزعت لذلك وقلت لهم إن سليمان أكثر بشاعة ووحشية وعمالة من مبارك. بصعوبة شديدة أوقفت سيارة تاكسي وعدت لبيتي وعندما سمعت الأخبار علمت أن مبارك سلم السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فحمدت الله على ذلك.

Bookmark and Share

التعليقات على من ذكريات الثورة

ثورة المسجد

إنها ثورة المسجد فحماها الله

أضيف بواسطة: اسماعيل | 18/6/2011

فعلا جميل

فكرتنى بالايام الجميلة ذكرياتك جميلة جدا وفيها تحليلات جميلة وطريفة عرضك للقصة رائع

أضيف بواسطة: ahmed medo5528 | 14/6/2011

أضف تعليق على هذه المشاركة

تابع وشارك ثورة 25 يناير على صفحتك في فيسبوك وتويتر الآن:

Most Popular Tags

ذكريات الثورة

,

قوات الامن بسلاح الاشاره بمدينه نصر

, ذكريات 25 يناير, صوت سرينة الشرطة أيام الثورة, ذقريات ثورة 25 يناير, صورجمعة يوم الجلاء في العراق,

ثورة دموية فى 25 يناير القادم لأن ثورتهم الأولى فشلت

,

  الجندى المصرى الذى كان على الدبابة ايام ثورة 25 يناير وقال ان فية تعليمات جاءت لهم بضرب المتظاهرين

,

نغمة سرينة المدرعة

,

صوت سرينه مدرعه الشرطه

,

سرينة عربية امن مركزى مصفحة قناة الجزيرة

,

صور من ذكريات الثورة

,

تحميل سرينه عربيات الامن المركزى

,

البحث عن الأمن المركزى ثعت ثورة عند مسجد الفتح

,

الشباب يحمون سيارة الامن المركزي التي تركوها

,

البلاطات المطاطيه بشارع رمسيس

,

ذكريات شاب مع الثورة

,

صفوت حجازى وزكريات ثورة 25 يناير على قناة الجزيرة

,

صور جمعة الغضب من امام مسجد الفتح

,

صور شهداء الثورة المعلقة فى رمسيس

,

صور اشتباكات 25 يناير مسجد الفتح

,

صور تصميم لشهداء وذكريات 25 يناير

,

هل الشرطة العسكرية أم الحرس الجمهورى هو الذى كان يقف فى موقعة الجمل \

,

الصورة ذكريات ثورة 25 يناير

,

جامع الفتح برمسيس شارع الجمهور

,

كبار السن ودكريات الشباب

,

المظاهرات طريق نحو التحرر

,

تحميل صوت صيحات امن مر

,

صور جنود الجيش يهجمون علي الناس

,

الامن المركزي محجبة ميدان التحرير

,

مشارك ثورة

,

قسم الحدائق عند ما كان اشتعال ايام الثورة 25 يناير

,

السور الحديدى فى ميدان التحرير

,

صورة الشاب الذى وقفت قدام عربية الامن المركزى

,

صليت جمعة الغضب 28 يناير في مسجد الفتح بميدان رمسيس

,

اتجاهات الشباب نحو البلطجىه

,

صور جنود من الجيش يضربون المتظاهرين فى ثورة 25 يناير

,

صفاء وخلع الملابس في ميدان التحرير

,

طلبات الثورة معلقة على احدى العمارات

,

ذكريات الثوره

,

وصف للطريق من رمسيس الى ميدان التحرير

,

صليت جمعة الغضب يناير في مسجد الفتح بميدان رمسيس

,

مواصله رابعه العدويه مدينة ن

,

مظاهرات ايام السادات

,

هتافات الناس اللي بتكره الشرطة

,

صور مجموعة رجال ذاهبون الى المسجد

,

كلمة عن العنف والتخريب فى 25 يناير

,

ميني باص بمدينة نصر

,

قوات الأمن المصرية تهاجم ميدان التحرير 25 يناير

,

بحث 25 يناير وما كانوا يفعلون فى نظافة الشوارع

,